بتال القوس

بتال القوس : لماذا غضب الاتحاديون؟

 خرج المالي سامبا دياكيتي لاعب اتحاد جدة السابق مع الزميل عبدالله الدرويش على العربية عبر برنامج “في المرمى”، متحدثا عن تجربته القصيرة مع الفريق الجداوي الكبير، وعلاقته برئيسه إبراهيم البلوي، فغضب بعض أنصار النادي ووجهوا سهام نقد وكثيرا من الشتائم لي أنا، رغم أني أقضي إجازة قصيرة بعد شهر كامل من تغطيات كأس آسيا، وهذا لا يلغي أني على علم كامل بكل ما سيعرض في البرنامج، بل وأجيزه قبل عرضه.

لا استغرب أن توجه لي الشتائم المدفوعة بالعاطفة ولا المديح الزائف أيضا عندما يخالف عملي هوى المتلقي أو يوافقه، فذلك أمر تعودته من الجمهور المفتون بعشقه أيا كان لونه، ولم يعد يستوقفني كثيرا. هاجمني النصراويون كثيرا في سنوات غيبوبة فريقهم، واتهموني بتزييف الترجمة في حوار المدرب جوستافو كوستاس، وعندما أفاق نصرهم باتوا يرون كل شيء جميلا، وهاجمني الأهلاويون على مدى شهر كامل في موسم 2011، إبان سباقهم الشرس مع الشباب نحو لقب الدوري عندما عرضنا تقريرا عن أكثر الفرق استفادة من أخطاء الحكام آنذاك، وتبعهم الشبابيون في الموسم ذاته بعد تحقيق البروستد الشهير، وانضم الهلاليون إلى الركب بعد أن كتبت آراء شخصية محضة في تغريدات بعضها اعتمد النقد الساخر – وهو أحد فنون الكتابة – تجاه تجربة أسطورتهم ومحبوبهم سامي التدريبية.

.. يوم كان الأزرق العاصمي يجندل الفرق تباعا بوحود سامي لاعبا أو مديرا، كان منافسه الأصفر يغط في سبات عميق، وكان أنصاره يبحثون عن ضحية يلقون عليها بشحنات الغضب التي تسكنهم، وكنت واحدا ممن اتهم بقبض الأموال والسيارات من الهلاليين، ونسوا أن جيرتس وياسر وسامي هم سبب في آلامهم وليس أنا، بل إن السبب الحقيقي كان فريقهم المترنح. وفي حلقة دياكيتي ذاتها كان الأوزبكي شوكت لاعب النصر ذاته يصرح صوتا وصورة “في المرمى”، متهما إدارة النصر بالمماطلة بمستحقاته وأنه لجأ إلى “فيفا” لاستيفائها، بل إن شوكت صدر في حديثه كثيرا من السلبيات في تجربته النصراوية، ولم أقرأ تعليقا أو نقدا ولا شتيمة نصراوية، لأنهم مشغولون بالفرح الذي يغطي أي لمحة حزن.

.. اتحاد جدة الكبير، يمر بالحالة النصراوية الأهلاوية السابقة والهلالية الحالية، لا يريد أنصار النادي أن يصدقوا واقع ناديهم الرث، واقعه السيئ الذي بات يسير خطوة للأمام ويتراجع خمسا، ولا يريدون الاعتراف بأن الأصفر الحالي ليس إلا بقايا ممزقة عن مارد آسيا السابق، لا تشبهه إلا في اللون والرائحة أما الروح فقد بلغت الحلقوم.

بعد حديث دياكيتي، خرج المركز الإعلامي في الاتحاد ببيان خجول متلعثم، يتراقص فيه بين السطور، يقول إن “دياكيتي وقع مخالصة مالية”، وهذه حقيقة قالها دياكيتي بلسانه الفرنسي في مصارحته جماهير الاتحاد عندما ختم حديثه عن مماطلات الرئيس له بقوله: “قالوا إنهم سيعطوني أموالي في مايو المقبل”. قفز بيان الاتحاد على كل ما قاله سامبا من اتهامات كبيرة ولم يرد عليها واتجه إلى ما أعترف به اللاعب نفسه، وصمت، كأنه يقر بكل ما قاله اللاعب المالي.

يعلم الاتحاديون في قرارة أنفسهم، وإن جحدت بها ألسنتهم، أن ناديهم يعيش وضعا ماليا متأزما للغاية، وأنه يغسل الدم بالدم، حين يزيد فاتورة الديون بالتأجيلات والجدولة والوعود التي تزيد ولا تنقص بالوفاء. ولا يريد المشجع الاتحادي البسيط الاعتراف بالواقع المر، بل لا يريد تصديقه، وله العذر في ذلك، فهو تعود على الاتحاد الذي يوقع العقود والصفقات المدوية تباعا، ويستعرض في شباك الآسيويين قبل المحليين، وكيف له أن يصدق والفجوة كبيرة جدا بين الواقع والأحلام المستندة إلى ماض عظيم، ويبددها حاضر مرير.

قديما قالوا: في العشق سكرات تذهب العقل، وحديث دياكيتي صعقة كهربائية تقول لسكارى العشق: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، وسيتلوه أحاديث جديدة للاعبين ومدربين وإداريين يفتقون جراح العميد، وعندها سيكون الحل أصعب منه الآن ولا يبقى حينها عذر جديد يمكن أن يقدم للعشاق الغلابة.

لماذا غضب بعض الاتحاديين مني، ولم يغضبوا من ناديهم أو دياكيتي؟، لأنهم يعانون ويبحثون عن ضحية تسلي آلامهم، يعانون ألما عميقا، شبيه بألم أسرة ذات جاه ومال وشرف سقط ابنها في الحياة ولا يريدون الاعتراف بفشل ذي الحسب والنسب، فانطلقوا يجمعون غسال بقايا مشروبات من يعرفون ولا يعرفون ويمسحون بها وجه ابنهم ويسقونه شربة تذهب بالحقيقة في اتجاهات خاطئة. ومن يشعر بألم يطلق الشكاوى في كل اتجاه، ومن يخضع لمبضع الجراح لا يستغرب الدماء النازفة.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية