عيسى الجوكم

ضوء القمر

يتهاوى الحرف منتشيا على ضوء القمر، ويحط رحاله في نوره، ينام على وسادة الفرح، ويصحو يغرد على أنغام البلابل والعصافير، ويهيم في سماء المرح، كم لهذا الضوء من حكايات لا تمحوها الذاكرة، وكم له من لحظات لا تقتلها سحابة حزن عابرة في موسم الجفاف.

 لنا معه خيالات تسبح في جزيرة الأحلام، نعوم في بحيرته بعمق السعادة، ونفجر مكنونات السرور، حتى خيل لنا أن الماء يابس من سهولة سرعتنا في رسم الابتسامات والضحكات، وكنا نشفق على أولئك الذين أحرقتهم لهيب الشمس، وهم عطشى في مسيرة الطريق.

 يا له من ضوء أشعل فينا عشقا دافئا، ويوقد شعلة العطاء، ويأخذنا مع بساط الريح لنحقق أحلامنا، كل الخرائط في عتمة الليل تضيء، وكل السدود تهدم، لما لا وهو خارطة طريق لميناء فرح.

 يا له من ضوء بعث فينا الحياة لسنوات، ولن نحيد عنه لمجرد اختفائه لوهلة صغيرة، لا تقارن بما منحنا إياه في طريق السعادة والسرور.

 يا له من ضوء أحرق حاسديه، وحول سمرهم لجنازات متتالية، لم يسفعهم الوقت لدفنها.
** ضوء يرسم لمحبيه خارطة طريق، ويزرع في قلوبهم فرحا دائما، ويمطرهم سعادة حتى ولو جفت أرضهم في صيف حارق.

 ليس لهذا الضوء محطة أسى، وإن جاءت فهي سحابة صيف، عنوانه الأبرز الابتسامة، ومدينته السعادة، وحارته الفرح، وشارعه السرور، ومنزله الثراء، وغرفه الزينة، هو باختصار معالم (وناسة) لا يحلو العيش بدونه.

 يستعمرني هذا الضوء، فقد احتل قلبي بدون أسلحة ولا ذخيرة، ولم تجد معه مقاومة، ولم أرفع مذكرة، لا لمجلس الأمن ولا للأمم المتحدة.

 هو المستعمر الوحيد الذي تتطالب به نبضات قلبي بتجديد احتلاله، فكل الكريات البيضاء والحمراء تتظاهر في شوارع فؤادي؛ من أجل استمراره.

 أشعرني هذا القلب باستعمار ضوء القمر، حكاية بني اسرائيل برفضهم كل القرارات الدولية، ورمي كل التعهدات والمواثيق؛ من أجل الاستعمار الأبدي، والفرق بين الحكايتين، أن الأرض الطاهرة ترفض المحتل، وقلبي من يثبت المحتل. هي حكاية تجوس في شوارع القلب، تتناغم مع من استعمرها، لسبب بسيط جدا، فهذا المستعمر بنى طوابق من السعادة، في كل زواياه، رغم اتساع رقعتها التي توازي آسيا في بحرها ويابسها.

  لضوء القمر رواية لم تكتمل فصولها، ولم تكتب البداية بعد، حتى نصل لخيط النهاية، ليس هناك أجمل من الحكايات التي تبدأ حين يشعر الآخرون أنك انتهيت..!!

نقلا عن اليوم السعودية